ابن بسام
358
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وكانت له كلّ عام رحلة ، يتعهّد فيها بلده وأهله ، فحدثني غير واحد أنه اجتاز بالمرية ، في بعض رحله الشرقيّة ، وملكها يومئذ قبلة الأمّال ، وقطب رحى الآمال ، ومرمى جمار المدائح ، أبو يحيى ابن صمادح ، فاهتزّ لعبد الجليل واستدعاه ، وعرّض له بجملة وافرة من عرض دنياه ، فلم يعرّج على صفده ، وبادر العيد - وكان قريبا - بالارتحال عن بلده ، وقال في ارتجال « 1 » : دنا العيد لو تدنو لنا كعبة المنى * وركن المعالي من ذؤابة يعرب فيا أسفا « 2 » للشعر ترمى جماره * ويا بعد ما بيني وبين المحصّب ولما ابتدأت الفتنة بالمعتمد ، بادر الخروج عن البلد ، فلم يغن عنه نفاره وأدركه مقداره ، على قرب من مرسية ، لقي قطعة من خيل النصارى فتورّط فيهم ، وقضى اللّه له بالشهادة على أيديهم . / وذكرت بمقتل عبد الجليل - رحمه اللّه - ومفرّه أعجوبة من الزمان ، وحديثا ظريفا من الحدثان : كان بحضرة إشبيلية أيام ماجت بها على المعتمد الفتنة ، ودارت عليه « 3 » رحى المحنة ، أبو القاسم ابن مرزقان « 4 » ، من شعراء الدولة ، ونبهاء أهل الحضرة ، ممّن متّ إليها بقديم جوار ، لا ببارع أشعار ، وأدلّ عليها باسم مرزقانه ، لا بفضل بيانه ، وكان في بني عبّاد عجب بكثرة عددهم ، وعصبية لأهل بلدهم ، وكان أبو القاسم هذا حلو الحوار ، نادر الأخبار ، وكان به على ذلك توهّم يخرجه إلى جبن الفرّار السّلمي « 5 » ، وغفلة تشهد عليه بلوثة أبي حيّة النمري « 6 » ، وكان هو وعبد الجليل من بين سائر أهل القريض ، في طرفي نقيض ، هذا يتعصّب لسلطانه بهواه ، وعبد الجليل يقفو
--> ( 1 ) القلائد : 244 ، والمطرب : 121 ، والخريدة 2 : 102 ، وطراز المجالس : 140 . ( 2 ) الخريدة : فيا ويلتا . ( 3 ) م : عليهم . ( 4 ) ترد ترجمته في ما يلي من هذا القسم ص : 520 . ( 5 ) هو حيان بن الحكم السلمي ( انظر : حماسة البحتري : 65 ، وحماسة الخالديين 1 : 142 ، والعيون 1 : 164 ، والحيوان 4 : 185 ) . ( 6 ) اسمه الهيثم بن الربيع ( ترجمته في الشعر والشعراء : 658 ، والأغاني 16 : 236 ، وطبقات ابن المعتز : 143 ، والخزانة 4 : 283 ، والسمط : 244 وقد جمع شعره رحيم صخي التويلي - مجلة المورد ( 1975 ) المجلد الرابع - العدد الأول : 131 - 152 ) .